محمد بن جرير الطبري

128

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لكان خبرا عن أنه حق لا كذب ، وليس ذلك المعنى به . وإنما أريد به : أنه لحق كما حق أن الآدمي ناطق . ألا يرى أن قولك : أحق منطقك ، معناه : أحق هو أم كذب ، وأن قولك أحق أنك تنطق معناه للاستثبات لا لغيره ، فأدخلت " أن " ليفرق بها بين المعنيين ، قال : فهذا أعجب الوجهين إلي . واختلفت القراء في قراءة قوله : مِثْلَ ما أَنَّكُمْ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة مِثْلَ ما نصبا بمعنى : إنه لحق حقا يقينا كأنهم وجهوها إلى مذهب المصدر . وقد يجوز أن يكون نصبها من أجل أن العرب تنصبها إذا رفعت بها الاسم ، فتقول : مثل من عبد الله ، وعبد الله مثلك ، وأنت مثله ، ومثله رفعا ونصبا . وقد يجوز أن يكون نصبها على مذهب المصدر ، إنه لحق كنطقكم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة ، وبعض أهل البصرة رفعا " مثل ما أنكم " على وجه النعت للحق . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ . . . قالَ . . . سَمِينٍ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، يخبره أنه محل بمن تمادى في غيه ، وأصر على كفره ، فلم يتب منه من كفار قومه ، ما أحل بمن قبلهم من الأمم الخالية ، ومذكرا قومه من قريش بإخباره إياهم أخبارهم وقصصهم ، وما فعل بهم ، هل أتاك يا محمد حديث ضيف إبراهيم خليل الرحمن المكرمين . يعني بقوله : الْمُكْرَمِينَ أن إبراهيم عليه السلام وسارة خدماهم بأنفسهما . وقيل : إنما قيل الْمُكْرَمِينَ كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ قال : أكرمهم إبراهيم ، وأمر أهله لهم بالعجل حينئذ . وقوله : إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ يقول : حين دخل ضيف إبراهيم عليه ، فقالوا له سلاما : أي أسلموا إسلاما ، قال سلام . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة ، قال : سَلامٌ بالألف بمعنى قال : إبراهيم لهم سلام عليكم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة " سلم " بغير ألف ، بمعنى ، قال : أنتم سلم . وقوله : قَوْمٌ مُنْكَرُونَ يقول : قوم لا نعرفكم ، ورفع " قوم منكرون " بإضمار أنتم . وقوله : فَراغَ إِلى أَهْلِهِ يقول : عدل إلى أهله ورجع . وكان الفراء يقول : الروغ وإن كان على هذا المعنى فإنه لا ينطق به حتى يكون صاحبه مخفيا ذهابه أو مجيئه ، وقال : ألا ترى أنك تقول قد راغ أهل مكة وأنت تريد رجعوا أو صدروا ، فلو أخفى راجع رجوعه حسنت فيه راغ ويروغ . وقوله : فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ يقول : فجاء ضيفه بعجل سمين قد أنضجه شيئا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قال : كان عامة مال نبي الله إبراهيم عليه السلام البقر . القول في تأويل قوله تعالى : فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ . . . لا تَخَفْ . . . عَقِيمٌ وقوله : فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر عليه منه وهو فقربه إليهم ، فأمسكوا عن أكله ، فقال : ألا تأكلون ؟ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً يقول : فأوجس في نفسه إبراهيم من ضيفه خيفة وأضمرها . قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ يعني : بإسحاق ، وقال : عليم بمعنى عالم إذا كبر ، وذكر الفراء أن بعض المشيخة كان يقول : إذا كان للعلم منتظرا قيل : إنه لعالم عن قليل وغاية ، وفي السيد سائد ، والكريم كارم . قال : والذي قال حسن . قال : وهذا أيضا كلام عربي حسن قد قاله الله في عليم وحكيم وميت . وروي عن مجاهد في قوله : بِغُلامٍ عَلِيمٍ ما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ،